ابن كثير

85

البداية والنهاية

قال : وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد ، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم وأقام أياما ثم رجع إلى المدينة . قلت : قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله أعلم . قال الواقدي : وفي هذه السنة حمى عمر الربذة بخيل المسلمين ، وفيها غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع ( 1 ) ، وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد . قلت : الذي قتل يوم الجسر ، وكان أمير السرية وهي أخت المختار بن أبي عبيد أمير العراق فيما بعد ، وكانت امرأة صالحة ، وكان أخوها فاجرا وكافرا أيضا . قال الواقدي : وفيها حج عمر بالناس ، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت . قال : وكان نائبه على مكة عتاب ، وعلى الشام أبو عبيدة ، وعلى العراق سعد ، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ، وعلى اليمن يعلى بن أمية ، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي ، وعلى عمان حذيفة بن محصن ، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة ، وعلى الموصل ربعي بن الأفكل ، وعلى الجزيرة عياض بن غنم الأشعري . قال الواقدي وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ ، وهو أول من كتبه . قلت : قد ذكرنا سببه في سيرة عمر ، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان ، فقال : أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها ، أم التي بعدها ؟ ثم جمع الناس فقال : ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم . فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم ، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده ، فكرهوا ذلك . ومنهم من قال : أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك ، ولطوله أيضا . وقال قائلون : أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون من مبعثه عليه السلام . وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث . فاستحسن ذلك عمر والصحابة ، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها ، وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره : أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه عليه السلام إلى المدينة . والجمهور على أن أول السنة من المحرم ، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور ، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية . وفي هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقد وابن جرير وغير واحد ، وصلى عليها عمر بن الخطاب ، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها ، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها ، وهي مارية القبطية ، أهداها صاحب إسكندرية - وهو جريج بن مينا - في جملة تحف وهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبل ذلك منه . وكان

--> ( 1 ) في الأصل : إلى ما صنع ، وأثبتنا ما في الطبري ، وباضع جزيرة في بحر اليمن ، وفي الكامل ناصع . وناصع بلد في الحبشة . وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : نفاه عمر إلى جزيرة في البحر .